محمد بيومي مهران
372
دراسات تاريخية من القرآن الكريم
إفراط في العصيان وما سوء الأدب بعبارة تقتضي الكفر والاستهانة باللّه ورسوله « 1 » ، على أن الإمام النسفي إنما يعلق على رأي بعض العلماء في تفسير قوله تعالى : فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ من حمله على الظاهر ، وقال إنه كفر منهم ، وليس كذلك ، إذ قالوا ذلك اعتقادا وكفروا به لحاربهم موسى ، ولم تكن مقاتلة الجبارين أولى من مقاتلة هؤلاء ، ولكن الوجه فيه أن يقال : فاذهب أنت وربك يعينك على قتالك ، أو وربك أي سيدك وهو أخوك الأكبر هارون ، أو لم يرد به حقيقة الذهاب ، ولكن كما تقول : كلمته فذهب يجيبني ، تريد معنى الإرادة كأنهم قالوا : أريد اقتالهم « فقاتلا إنا هاهنا قاعدون » ماكثون لا نقاتلهم لنصرة دينكم « 2 » . وأيا ما كان المعنى ، فمن الواضح تماما ، أنه لم يستجب لموسى عليه السلام ، إلا أخوه هارون ، فيشكو لربه هؤلاء القوم الفاسقين الخانعين ، « قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ « 3 » ، فموسى عليه السلام يقول ذلك معتذرا إلى اللّه ، متبرءا من مقالة السفهاء ، فهو لا يملك إلا نفسه ونفس أخيه وهارون ، وكأن موسى لا يثق حتى بالرجلين المذكورين ( يشوع وكالب ) كل الوثوق ، فلم يذكر إلا النبي المعصوم ، أخاه هارون ، ثم يطلب من اللّه تعالى : فافصل بيننا وبينهم بأن تحكم لنا بما وعدتنا ، وتحكم عليهم بما وعدتهم ، وهو في معنى الدعاء عليهم ، خاصة وقد وصفهم بالقوم الفاسقين « 4 » . ولعل هذا الموقف الجبان من بني إسرائيل مع نبيهم موسى عليه
--> ( 1 ) صفوة التفاسير 1 / 336 . ( 2 ) تفسير النسفي 1 / 278 - 279 . ( 3 ) سورة المائدة : آية 25 ، وانظر تفسير ابن كثير 3 / 73 ، تفسير المنار 6 / 276 - 277 ، الجواهر في تفسير القرآن الكريم 3 / 154 ، تفسير الطبرسي 6 / 68 - 69 . ( 4 ) تفسير النسفي 1 / 279 ، صفوة التفاسير 1 / 336 .